غانم قدوري الحمد
59
رسم المصحف
آخر الكلمات في نقش حران الجاهلي : ( أنا ، ذا ) . وفي نقش القاهرة : ( هذا ، إننا ، إذا ) . وبذلك استطاعت الكتابة العربية - قبل الرسم العثماني - أن تتبنى نظاما منطقيا لتمثيل الحركات الطويلة الثلاث ، باستخدام رموز الصوامت الثلاثة الألف ( الهمزة ) والواو والياء ، لكن بينما استقر نظام الإشارة إلى الضمة والكسرة الطويلتين نجد أن الإشارة إلى الفتحة الطويلة كانت لا تزال غير كاملة ، ففي نقش حران والقاهرة استعمل رمز الفتحة الطويلة في أخر الكلمات دون وسطها ، لكنا نجد في البردية المشار إليها سابقا استعمال الفتحة الطويلة وسط الكلمة ، في كلمة ( شاة ) ، وفي أحد نقوش جبل سلع نجد في اسم ( عمارة ) الألف مثبتة ، وفي نقش آخر كلمة ( يتودعان أو يتوبان ) الألف مثبتة ، وهي تشير إلى رمز الفتحة الطويلة ، مع وجود كلمات في هذه الآثار تشتمل على صوت الفتحة الطويلة لكن دون أن يمثل في وسطها خاصة . وهذه الملاحظة الأخيرة تشير بوضوح إلى أن استخدام الألف للإشارة إلى الفتحة الطويلة في وسط الكلمات لا يزال غير مستقر ، بل هو يستعمل بين الحين والآخر . وهي ملاحظة يمكن أن تفسر لنا بسهولة الإشارة إلى الفتحة الطويلة في الرسم العثماني حينا وعدم إثباتها حينا آخر ، عكس الضمة والكسرة الطويلتين فهما يشار إليهما باطراد ، وسيأتي بيان ذلك مفصلا في مكانه إن شاء اللّه . ولا تظهر النقوش النبطية ولا الكتابات العربية التي ترجع إلى الفترة السابقة للرسم العثماني أي رمز للإشارة إلى الحركات القصيرة ، واكتفت بالإشارة إلى الحركات الطويلة ، على ما بيناه قبل قليل . وهذه الظاهرة تجعل من العسير الوصول إلى القراءة الصحيحة لتلك النقوش . وهنا يرد سؤال هام ، وهو كيف استطاعت الكتابة النبطية تطوير الكتابة الآرامية ذات الرموز الاثنين والعشرين للتعبير عن اللغة العربية ذات الثمانية والعشرين صوتا صامتا ، يقول الدكتور جواد علي « 1 » : « ونجد العربية ذات حروف يزيد عددها على حروف اللغات السامية الأخرى ، ولعل اللغات الأخرى كانت تملك حروفا أخرى ، ثم قلّ استعمالها ، فزالت من أبجديتها ولم تبق لها حاجة بها » . وهذا الفرض لا يفيدنا في الإجابة عن ذلك السؤال ، ومهما يكن من شيء فإن الكتابة النبطية المتأخرة كانت - على ما يبدو -
--> ( 1 ) د . جواد علي ، ج 7 ( ص 33 - 34 ) .